محمد سعيد رمضان البوطي
100
فقه السيرة ( البوطي )
وهذا يقتضي تأكيد ما بيّناه من أن الدين الحق واحد لم يتعدد ، منذ خلق آدم عليه السلام إلى بعثة نبينا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وأن كلمة « الأديان السماوية » التي يستعملها بعض الناس ، كلمة لا معنى لها . نعم ، هناك شرائع سماوية متعددة وكل شريعة سماوية ناسخة للشريعة التي قبلها ، ولكن ينبغي أن لا نخلط بين « الدين » الذي يطلق أوّل ما يطلق على العقيدة و « الشريعة » التي تطلق على الأحكام السلوكية المتعلقة بالعبادات أو المعاملات . عام الحزن وهو العام العاشر من بعثته صلى اللّه عليه وسلم ، فقد توفيت فيه زوجته خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها ، وتوفي فيه عمه أبو طالب ، ويقول ابن سعد في طبقاته : كان بين وفاة خديجة وأبي طالب شهر وخمسة أيام . وقد كانت خديجة رضي اللّه عنها ، كما قال ابن هشام ، وزير صدق على الإسلام ، يشكو الرسول إليها ويجد عندها أنسه وسلواه ، أما أبو طالب ، فقد كان عضدا وحرزا في أمره ، وكان ناصرا له على قومه . يقول ابن هشام : فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا ، ودخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيته والتراب على رأسه ، فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لها : « لا تبكي يا بنية فإن اللّه مانع أباك » « 1 » . ولقد أطلق النبي صلى اللّه عليه وسلم على هذا العام اسم ( عام الحزن ) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة . العبر والعظات : ترى ما الحكمة في أن يتعجل قضاء اللّه تعالى في استلاب أبي طالب من الحياة ، قبل أن يشتد ساعد المسلمين في مكة ويتكون لهم شيء من المنعة ؟ ومعلوم أنه قد كان يحمي الرسول - قدر الإمكان - من كثير من المصائب والشدائد ، وما الحكمة في أن يتعجل القضاء باستلاب زوجته خديجة رضي اللّه عنها ، وقد كان يجد عندها أنسه
--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق ، وانظر تاريخ الطبري : 2 / 544 .